الخميس ٢٩ / أكتوبر / ٢٠٢٦
من نحن اتصل بنا التحرير
×
الموجز
logo قمة المناخ COP31.. مصر تستعد لملفات التمويل والتكيف والانتقال العادلlogo مصر وروسيا تبحثان تسريع تنفيذ محطة الضبعة وتوسيع التعاون النوويlogo مدبولي من السويس يفتتح مشروعات استراتيجية في الغذاء والتعليم والصحةlogo السيسي من موسكو: الشراكة الروسية الأفريقية بوابة لتعزيز التنمية والاستثمارlogo النقل: مواعيد تشغيل المترو والقطار الكهربائي والمونوريل بالتوقيت الشتويlogo مصر تبدأ الليلة تطبيق التوقيت الشتوي وتأخير الساعة 60 دقيقةlogo وول ستريت ترتفع عقب تثبيت الفائدة الأمريكية وسط ترقب عالميlogo مصر.. الحكومة تصدر 17 قرارًا في الاستثمار والطاقة وتنظيم الفضاء الرقميlogo مصر والأمم المتحدة تبحثان خفض التصعيد وتسوية النزاعات الدوليةlogo مصر تتحرك لزيادة نفاذ الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى الأسواق العالميةlogo قمة المناخ COP31.. مصر تستعد لملفات التمويل والتكيف والانتقال العادلlogo مصر وروسيا تبحثان تسريع تنفيذ محطة الضبعة وتوسيع التعاون النوويlogo مدبولي من السويس يفتتح مشروعات استراتيجية في الغذاء والتعليم والصحةlogo السيسي من موسكو: الشراكة الروسية الأفريقية بوابة لتعزيز التنمية والاستثمارlogo النقل: مواعيد تشغيل المترو والقطار الكهربائي والمونوريل بالتوقيت الشتويlogo مصر تبدأ الليلة تطبيق التوقيت الشتوي وتأخير الساعة 60 دقيقةlogo وول ستريت ترتفع عقب تثبيت الفائدة الأمريكية وسط ترقب عالميlogo مصر.. الحكومة تصدر 17 قرارًا في الاستثمار والطاقة وتنظيم الفضاء الرقميlogo مصر والأمم المتحدة تبحثان خفض التصعيد وتسوية النزاعات الدوليةlogo مصر تتحرك لزيادة نفاذ الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى الأسواق العالمية

​عادل خفاجي يكتب: الثورة والسوشيال ميديا.. من الاستقطاب إلى القطيعة

​عادل خفاجي يكتب: الثورة والسوشيال ميديا.. من الاستقطاب إلى القطيعة

عقب الثورة.. كم صديقاً خسر صديقه؟ وكم أسرة تفككت أو زوجة خسرت زوجها؟ وكم زميل ابتعد عن زميله؟ إنها نتائج مزعجة وصادمة، لم نعد نقرؤها في التحليلات الفكرية فحسب، بل نراها ونعيشها يومياً في الواقع الملموس وعبر منصات التواصل الاجتماعي المختلفة.
​فلم تكن الخسارة الحقيقية التي عرفها المجتمع المصري بعد ثورة 25 يناير 2011 محصورة في تداعيات السياسة والاقتصاد، أو في حالة التغيير الكبرى التي شهدتها البلاد، وإنما امتدت إلى مساحات أكثر خصوصية وخطورة؛ إلى داخل البيوت، وبين أفراد الأسرة الواحدة، وفي علاقات الأصدقاء وزملاء العمل، حيث تحولت الاختلافات في الرأي من ظاهرة طبيعية وصحية إلى أسباب للخصام والمقاطعة، وربما القطيعة التي تستمر لسنوات.
​منذ ذلك التاريخ، دخل المجتمع المصري مرحلة شديدة القسوة من الاستقطاب والتخوين، فاتسع الجدل السياسي وظهرت بوضوح انقسامات حادة في الرؤى والمواقف. ولم تعد السياسة مجرد نقاش عابر في جلسة أو حوار بين أصدقاء، بل أصبحت أحيانا معيارا للحكم على الأشخاص، ومقياسا لتحديد من نقترب منه ومن نبتعد عنه، ومن يستحق صداقتنا ومن لا يستحقها!
​وما زاد الأمر تعقيدا هو استغلال الدين وخلطه بالسياسة، والطعن في الوطنية لمجرد المخالفة في الرأي؛ حيث بدا في كثير من الأحيان وكأن هناك مؤيدا يمتلك وحده «صك الوطنية»، في مقابل اتهام المعارض ووصمه بـ «الخيانة» و«العمالة» دون دليل قانوني أو حكم قضائي بات، وازدراء انتمائه ورؤيته.
​ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتمنح هذه الصراعات مساحة أوسع وانتشارا أسرع، فتحولت صفحات «فيسبوك» و«تويتر» وغيرها إلى ساحات مفتوحة للصراع وتبادل الاتهامات. وأصبح الإعجاب بالمنشور أو التعليق أو إعادة المشاركة أدوات للتعبير عن المواقف، لكنها تحولت في أحيان كثيرة إلى وسائل لتوسيع الفجوة بين الناس، بدلا من أن تكون جسوراً للتواصل وتبادل الأفكار.

​ولم تتوقف حالة الاستقطاب عند حدود الداخل بل امتد تأثيرها خارجياً؛ لينتقل التراشق عبر الفضاء الرقمي بين مواطني دولة ومواطني دولة أخرى، وتصَدَّر الخلاف السياسي السطحي مشهد العلاقات الشعبية، ليرسم جدراناً وهمية من العزلة والعداء بين شعوب وأشقاء يجمعهم التاريخ واللسان والمصير المشترك.
​وما يزيد الطين بلة أن خوارزميات هذه المنصات الرقمية مصممة خصيصا لمكافأة الغضب والمحتوى الصدامي، وتغذي ما يعرف بغرف الصدى التي لا ترتادها إلا الآراء المتشابهة، مما جعل هذه المنصات بيئة محيزة تتغذى بطبيعتها على الاستقطاب وتفرضه على مستخدميها لتأجيج الحماسة وإشعال الخصومات.
​المشكلة لم تكن في الاختلاف، بل في عجزنا عن إدارته، وغياب ثقافة التفكير النقدي التي تجعلنا نقع في فخ "شخصنة الأفكار"، حيث يربط الإنسان بين رأيه وكرامته وهويته، معتبرا أن نقد الفكرة هجوم مباشر على شخصه.
​فمن أبجديات ثقافة الاختلاف أن تكفل حق كل إنسان في أن يعبر أو يتبنى ما يشاء من آراء وتوجهات سياسية واقتصادية واجتماعية، وأن يؤيد أو يعارض، وأن يقتنع أو يرفض، لكن ليس من حق أحد أن يصادر حق الآخرين في التفكير، أو أن يحول الخلاف في الرأي إلى خصومة شخصية، وكأن الاختلاف مع وجهة نظره يمثل إهانة له أو انتقاصا من إيمانه أو وطنيته؛ وعلينا دائما أن نفصل بين حرية التعبير ومصادرة الآراء.
​وهنا نتذكر عبارة «النضج السياسي» التي ارتبطت بحديث الدكتور أحمد نظيف، رئيس مجلس الوزراء الأسبق، قبل نحو عشرين عاما، وهي عبارة تستحق أن نتوقف أمام معناها اليوم؛ فالنضج السياسي لا يقاس بارتفاع الصوت، ولا بحدة الهجوم، ولا بالقدرة على الانتصار في جدال إلكتروني، وإنما بمدى القدرة على الاستماع إلى الرأي الآخر، واحترام حق صاحبه في التعبير، والتمييز بدقة بين الاختلاف السياسي والعلاقات الإنسانية.
​إن قائمة الخسارات لم تتوقف عند حدود المعارف العابرين، بل امتدت لتشمل أقرب الأصدقاء وأعز زملاء العمر، ووصلت حتى الأقارب وأفراد الأسرة الواحدة. فأصبحت اللقاءات العائلية، وجلسات المقاهي والنوادي، وحتى أحاديث المواصلات، ساحات محتملة للجدال والتوتر، بعدما كانت تجمع الناس على المودة والألفة.
​ولعل الغريب والمؤلم أن حدة هذه الخلافات الأسرية والاجتماعية تفوقت في أحيان كثيرة حتى على تعصب جماهير ومشجعي الأهلي والزمالك؛ فبعد أن كان أقصى انقسام نألفه في بيوتنا هو التعصب الكروي الذي ينتهي بانتهاء المباراة وشعارات المداعبة، أصبحت الانقسامات السياسية تؤسس لعداوات دائمة وشرخ لا يندمل، وتتجاوز الحدود إلى علاقات إنسانية كان يفترض أن تكون أقوى من أي موقف عابر.
​أعرف أشقاء جمعتهم رابطة الدم، وذكريات الطفولة، وسنوات العمر، ثم فرقتهم التوجهات السياسية؛ فهذا يؤيد طرفا، وذاك يعارضه، حتى أصبح الاختلاف بينهما سببا للجفاء والقطيعة، وكأن سنوات الأخوة لم تعد كافية لتجاوز خلاف في الرأي.
​وفي مواقع العمل، تحولت علاقات الزمالة بين بعض الأشخاص إلى خصومات، بعدما أصبحت المواقف السياسية معيارا لتقييم الزميل والحكم عليه، بدلا من الاحتكام إلى أخلاقه وكفاءته والتزامه. ولم تسلم الحياة الزوجية من هذه الانقسامات؛ إذ تحولت الاختلافات لدى بعض الأزواج إلى مصدر دائم للصراع، وتراجعت لغة الحوار والتفاهم أمام الرغبة في الانتصار للرأي والموقف. ووصلت بعض الحالات إلى الانفصال والطلاق، وكان الأبناء في حالات منها هم الأكثر تضررا، يدفعون ثمن خلافات لم يصنعوها، وتحملوا آثار تفكك الأسرة وما يصاحبه من اضطرابات اجتماعية ونفسية.
​وهنا يفرض السؤال نفسه: كيف يمكن لموقف سياسي، مهما بلغت أهميته، أن يصبح أقوى من رابطة الأخوة، أو عشرة السنين، أو ميثاق الزواج، أو حق الأبناء في أن ينشأوا داخل أسرة مستقرة؟ وكيف نقبل أن تتحول الاختلافات التي يفترض أن تثري الحوار إلى جدران تعزلنا بعضنا عن بعض؟
​إن خطورة الأمر لا تكمن في أن نختلف، فذلك حق طبيعي، وإنما في أن نفقد القدرة على الفصل بين قناعاتنا السياسية وعلاقاتنا الإنسانية، وأن نسمح للخلاف بأن يهدم ما بنيناه عبر سنوات طويلة. فالمواقف تتغير، والتحالفات تتبدل، والآراء قد تتطور، لكن جراح القطيعة بين الأشقاء، ومرارة انهيار الصداقات، وآثار تفكك الأسر قد تبقى طويلا، خصوصا حين يكون الأبناء هم من يدفعون الثمن.
​والأكثر خطورة أن بعضنا لم يعد يكتفي بالاختلاف، بل يسعى إلى إعلان القطيعة، أو التشهير بالمخالف، أو التقليل من شأنه، وكأن العلاقات أصبحت رهينة لاتفاق كامل في الأفكار والمواقف. وهكذا انتقل الخلاف من مساحة الرأي إلى مساحة المشاعر، ومن مناقشة الفكرة إلى محاكمة صاحبها.
​بالطبع، لم تصنع الثورة وحدها هذه الظاهرة، ولم تكن وسائل التواصل الاجتماعي سببا وحيدا فيها؛ فهناك عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية أخرى أسهمت في تشكيلها. لكن التحولات السياسية التي أعقبت الثورة، وانتشار المنصات الرقمية، جعلا الانقسامات أكثر ظهوراً، ومنحا الخلافات قدرة أكبر على الانتشار والاستمرار. فبدلا من أن تكون مواقع التواصل وسيلة لتقريب المسافات وتبادل المعرفة، أصبحت في بعض الأحيان منصات لتكريس الاستقطاب، وإعادة إنتاج الخصومات، واستدعاء الخلافات حتى بعد انتهاء النقاشات الواقعية.
​إن المجتمع القوي ليس هو الذي يتفق أفراده على رأي واحد، وإنما الذي يمتلك القدرة على استيعاب اختلافاتهم دون أن تتحول إلى عداوات. والوطن لا يحتاج إلى نسخ متطابقة من أبنائه، بل إلى مواطنين يدركون أن الاختلاف لا يلغي الاحترام، وأن المعارضة لا تعني الخصومة، وأن الاتفاق ليس شرطا للصداقة أو صلة الرحم.
​إن ما نحن فيه يحتاج إلى تدخل عاجل ومؤسسي؛ يبدأ من قطاع التربية والتعليم عبر المناهج وحصص النشاط، ويمتد إلى مواد الفلسفة وعلم النفس بالجامعات، ومنصات الإعلام وبرامج الفضائيات، مرورا بالفن والثقافة عبر المعالجة الدرامية الهادفة بالأعمال الفنية والمسرح، وصولا إلى دور العبادة من مساجد وكنائس، ومنظمات المجتمع المدني التي يجب أن تضطلع بدورها في نشر ثقافة الحوار.
​لقد آن الأوان لأن نراجع أنفسنا، وأن نعيد الاعتبار لثقافة الاختلاف، وأن نتعلم كيف نختلف دون أن نخسر بعضنا بعضا. وحتى نبدأ رحلة التعافي الفعلي، فإن الأمر يتطلب مبادرة شجاعة ترمم ما أفسدته الخلافات؛ كأن نتجاهل الجدال البيزنطي على المنصات الافتراضية، ونتواصل بصدق عبر مكالمة هاتفية دافئة أو لقاء مباشر، نغلق فيه نوافذ السياسة لنفتح أبواب الود القديم.
​فالأفكار تتغير، والمواقف تتبدل، والسياسة لا تعرف الثبات الدائم، لكن خسارة أخ أو صديق أو قريب قد تترك جرحا لا تداويه السنوات بسهولة.
​فهل نحتاج إلى اتفاق جديد على أن اختلافنا في الرأي لا يفسد للود قضية؟ أم أننا سنظل ندفع ثمن خلافات كان يمكن أن تنتهي بكلمة طيبة، أو حوار هادئ، أو ببساطة باحترام حق الآخر في أن يرى العالم بصورة مختلفة؟
​الثورة غيرت المشهد السياسي، والسوشيال ميديا وسعت ساحات النقاش، لكن مسؤوليتنا اليوم أن نستعيد ما لا ينبغي أن نخسره أبدًا: إنسانيتنا، وعلاقاتنا، وقدرتنا على الاختلاف دون قطيعة.